الياس شوفاني
352
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
في هذا الوقت بالذات ، أصدرت حكومة بريطانيا وعد بلفور ، الذي يتناقض مع تعهدها للشريف حسين بأن تكون فلسطين جزءا من الدولة العربية المزمع إقامتها ، كما يتعارض مع ما قطعته على نفسها إزاء فرنسا وروسيا في اتفاق سايكس - بيكو ، بوضع فلسطين تحت إدارة دولية . وحتى قبل استكمال احتلال البلد أقام الإنكليز فيها إدارة عسكرية . وقد أثار نشر وعد بلفور سخط القوميين العرب ، وطفح الكيل عندما نشرت حكومة الثورة الروسية ، برئاسة لينين ، نصّ اتفاقية سايكس - بيكو . وارتفعت الأصوات تنادي بقطع التعاون مع الإنكليز ، والبحث عن سبل التفاهم مع العثمانيين . وبينما بدأت الاتصالات مع جمال باشا ، الذي بسبب صلفه لم تؤدّ إلى نتائج ، فقد قامت حكومة بريطانيا بحملة من الأكاذيب والخداع . فأرسلت الخبير بالشؤون العربية ، البروفسور هوغارت ، لتهدئة خواطر الشريف حسين والقيادات العربية . ونفى وزير خارجيتها ، بلفور ، وجود مثل هذه الاتفاقية ، مؤكدا أن ما نشر هو تلفيق من الحكومة الشيوعية الروسية . وعلى أية حال ، فإن ردة الفعل في أوساط المثقفين والسياسيين العرب ، وكذلك في صفوف الجيش العربي ، لم تثن الحسين ، وابنه فيصل ، عن استكمال المسيرة مع بريطانيا حتى نهاية الحرب . وعلى الرغم من اكتشافها الخداع الذي تمارسه حكومة بريطانيا ، واحتجاجها على المراوغة التي تنتهجها تلك الحكومة في حسم الموقف من مطالبها ، فقد ظلت الحركة القومية العربية ، بوجه عام ، تقف إلى جانب الحلفاء . وفي المرحلة الأخيرة من الحرب ، أدّت القوات العربية دورا مهما في هزيمة الجيش العثماني الرابع الذي كان في وضع يدعو إلى اليأس في بداية سنة 1918 م . وكان جمال باشا قد عزل من قيادته ، ووضع تحت القيادة الألمانية مباشرة ، ولكن من دون فائدة كبيرة . وبغض النظر عن افتضاح أمر الخداع البريطاني ، ظلت رغبة العرب القوية في التخلص من الحكم العثماني تحفزهم على القيام بانتفاضة ضد الجيش الرابع ، مستفيدين من أوضاعه المتدهورة . ونشطت أعمال الثوار في الحوران وغوطة دمشق وجبال بعلبك . ثم انتقلت إلى حوض الفرات الأعلى والأوسط ، مهددة خطوط المواصلات لذلك الجيش . وهجرت الوحدات العربية والكردية مواقعها ، وانضمت إلى الجيش العربي . وبانقطاع المؤن والعتاد عن هذا الجيش ، وانتشار أعمال المقاومة ضده في جميع أنحاء بلاد الشام ، عمت الفوضى صفوفه ، وهبطت معنويات أفراده ، وأصبح على شفا الانهيار . ومنذ منتصف سنة 1918 م ، بدأ الإعداد لاستكمال احتلال بلاد الشام . فتقدم الجيش العربي وأخذ معان ، وراح يعد للتقدم شمالا ، وإشعال الثورة في سورية . لكن